يحيي بن حمزة العلوي اليمني
52
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بخلاف المجاز ، فإنه يجب إقراره حيث ورد كما قدمناه شرحه ، والمثال في ذلك هو أن قولنا عالم قادر ، لما صدقا على كل واحد ممن له قدرة وعلم وجب صدقهما على كل ذي علم وقدرة في جميع المحالّ ، وعلى هذا يكون جريها شاهدا وغائبا على جهة الحقيقة لأجل الاطراد ، وأما المجاز فليس حاله ما ذكرناه من الاطراد ، ولهذا فإنه لما استعمل السؤال في القرية ، والعير ، فإنه لا يستعمل في الجدار والشجرة وهذا فاسد لأمور ثلاثة ، أما أولا فلأن مستندنا في كون هذه اللفظة حقيقة وكونها مجازا إنما هو أمر الواضع وتقريره فيجب أن يكون مستندنا في التفرقة بينهما هو أمر الواضع وتقريره أيضا ، وهاهنا لم تدل دلالة لغوية من جهة الواضع على أن الاطراد علامة للحقائق ولا أن عدم الاطراد أمارة للمجازات ، فلا بد فيه من دلالة لغوية ، فلم يزد فيه على مجرد الحكم من غير إشارة فيه إلى دلالة لغوية فلا يقبل وأما ثانيا : فلأنه قد يعرض للحقيقة ما يمنع من اطّرادها لعارض ، ويعرض للمجاز ما يوجب اطراده لعارض فجعل الاطراد من علامات كون اللفظ حقيقة وإبطال الاطراد من أمارة كونه مجازا لا وجه له . وأما ثالثا : فلأنه إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها في جميع موارد نص الواضع فالمجاز مثلها في ذلك لأنه يجوز استعماله في جميع موارد نص الواضع فلا يبقى هناك بينهما تفرقة ، وإن أراد استعماله في غير موضع نص الواضع فقد تكون الحقيقة ممنوعة الاطراد لعارض ، وإن أراد بالاطراد معنى آخر غير ما ذكرناه فيجب إظهاره حتى ننظر فيه . وثانيها : الامتناع من الاشتقاق دليل على كون اللفظة مجازا ، فإن الأمر لما كان حقيقة في القول اشتق منه اسم الفاعل للآمر واسم المفعول للمأمور ، وإنه لما لم يكن حقيقة في الفعل لم يوجد هذا الاشتقاق ، وهذا فاسد أيضا لأمرين ، أما أولا فلأن الاشتقاق معناه أخذ لفظة من لفظة باعتبار أمر جامع لهما في المعنى ، وما هذا حاله فإنه لا إشعار له البتة بكون اللفظ حقيقة فيما وضع له ولا مجازا ، وأما ثانيا فلأن اسم الرائحة حقيقة في معناها ، ومع ذلك فإنه لم يشتق منها اسم . وثالثها : قوله : إن اختلاف صيغة الجمع على الاسم ، يعلم أنه حقيقة في أحدهما ومجاز في الآخر ، وذلك نحو الأمر الحقيقي فإنه يجمع على أوامر وإذا أريد به الفعل وهو المجاز فإنه يجمع على أمور ، وهذا فاسد جدّا لأمرين ، أما أولا : فلأن أبنية الجموع مختلفة في أنفسها باختلاف أبنية الأسماء المفردة في ثلاثيها ورباعيها وأصلها وزائدها ، وما هذا حاله